ابو القاسم عبد الكريم القشيري
87
لطائف الإشارات
« وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ » ثم تعاندون بخفايا الدعاوى وتجحدون بما شام قلوبكم من فضيحات الخواطر وصريحات الزواجر . « أَ فَلا تَعْقِلُونَ » إن ذلك ذميم من الخصال وقبيح من الفعال . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الصبر فطم النفس عن المألوفات ، والصلاة التعرّض لحصول المواصلات ، فالصبر يشير إلى هجران الغير ، والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب ، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلّى الحق لسرّه فإن في الخبر المنقول : « إن اللّه تعالى إذا تجلّى لشئ « 1 » خشع له » . وإذا تجلّى الحق ، خفّ وسهل ما توقّى الخلق ؛ لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة ، والتجلي بالمشاهدات - بحكم التحقيق - يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة . ويقال استعينوا بي على الصبر معي ، واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لي ، حتى لا تستغرقكم واردات الكشف والهيبة ، فلا تقدرون على إقامة الخدمة . وإن تخفيف سطوات الوجود على القلب في أوان الكشف حتى يقوى « 2 » العبد على القيام بأحكام الفرق لمنّة عظيمة من الحق « 3 » . وأقسام الصبر كلها محمودة الصبر في اللّه ، والصبر للّه ، والصبر باللّه والصبر مع اللّه إلا صبرا واحدا وهو الصبر عن « 4 » اللّه : والصبر يخسن في المواطن كلها * إلا عليك فإنه مذموم « 5 » قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 46 ] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) .
--> ( 1 ) وردت بدون اللام ، والأصح بها . ( 2 ) وردت حتى ( يقول ) وهي خطأ في النسخ . ( 3 ) يشير القشيري بذلك إلى الفرق الثاني ، ويعتبر أن من علامة قبول العبد عند ربه أن يساعده على الرجوع إلى هذا الفرق حتى يستطيع أداء ما عليه من فريضة ( 4 ) الأرجح أنها ( على ) بدليل ورودها في البيت الشاهد ، كذا في « الرسالة » في سياق مماثل . ( 5 ) ورد البيت في الرسالة هكذا ( والصبر يجمل ) و ( فإنه لا يجمل ) ص 93 .